لم يعد التلوث البلاستيكي مقتصرًا على المحيطات أو الشواطئ، بل أصبح يتسرب إلى طعامنا، شرابنا وحتى هوائنا. ومع أن العلماء لم يتوصلوا بعد إلى إجابة حاسمة، إلا أن المؤشرات تدعو إلى الحذر.
من البحر إلى المائدة
قبل سنوات قليلة، اكتُشف وجود الميكروبلاستيك في أمعاء الأسماك والمحار، ما أثار القلق بشأن استهلاك المأكولات البحرية. فالمحار مثلًا يُؤكل كاملًا بما فيه الجهاز الهضمي، أي مع كل ما يحتويه من جزيئات بلاستيكية. عام 2017، قدّر باحثون أن عشاق المأكولات البحرية قد يبتلعون ما يصل إلى 11 ألف جزيئة بلاستيكية سنويًا عبر بلح البحر فقط.
ومع ذلك، خلصت دراسة بريطانية إلى أن استنشاق الألياف البلاستيكية الدقيقة العالقة في الهواء داخل المنزل – من السجاد أو الأقمشة – قد يكون أكثر شيوعًا من ابتلاعها عبر الطعام البحري.

البلاستيك داخل أجسامنا
مؤخرًا، أعلن علماء من هولندا والمملكة المتحدة أنهم عثروا على جزيئات بلاستيكية دقيقة في دم الإنسان وداخل رئات مرضى خضعوا لعمليات جراحية. هذه النتائج لم تثبت بعد خطورة مباشرة، لكنها أثارت تساؤلات مهمة: كيف يمكن لجزيئات متناهية الصغر أن تصل إلى أنسجة الجسم وربما إلى الخلايا نفسها؟
أحد الباحثين علّق قائلاً: “لا ينبغي أن نجد بلاستيكًا في دمائنا”.
نفايات في كل مكان
الميكروبلاستيك يُعرّف بأنه جزيئات أصغر من 5 ملم. منذ إطلاق هذا المصطلح عام 2004، وُجدت هذه الجزيئات في أماكن غير متوقعة: من قاع محيط الماريانا إلى قمة جبل إيفرست. كما تم رصدها في الملح، الخضروات، البيرة، وحتى مياه الشرب.
تقديرات علمية حديثة تشير إلى أن المحيطات وحدها تحتوي على أكثر من 24 ألف مليار جزيئة من البلاستيك الدقيق، أي ما يعادل 30 مليار زجاجة بلاستيكية صغيرة.
صعوبة تقييم المخاطر
يُستخدم في صناعة البلاستيك أكثر من 10 آلاف مادة كيميائية، منها آلاف قد تكون مثيرة للقلق بسبب ارتباطها المحتمل باضطرابات هرمونية أو مشاكل صحية. دراسات أظهرت أن ما يقارب 88% من هذه المواد قد تتسرب إلى الماء عند تعرض البلاستيك للشمس أو طول الاستخدام.

لكن حتى الآن، لم تتمكن الدراسات من إثبات علاقة مباشرة بين استهلاك الميكروبلاستيك والإصابة بأمراض محددة لدى البشر. على الحيوانات، وُثّقت تأثيرات سلبية على الكبد والجهاز التناسلي، لكن على البشر تبقى النتائج غير قاطعة.
تأثيره على الحيوانات
البحوث حول البلاستيك بدأت مع مراقبة الطيور البحرية، حيث وُجدت كميات متزايدة من البلاستيك في بطونها. لاحقًا اتضح أن أكثر من 700 نوع من الكائنات تأثر بالفعل بالبلاستيك. ووفقًا للتقديرات، فإن جميع الطيور البحرية في العالم ستبتلع جزيئات بلاستيكية بحلول عام 2050.

مع ذلك، بعض التجارب أظهرت أن التأثيرات قد لا تكون قاتلة دائمًا. ففي دراسة على طيور السمان مثلاً، لوحظت تأخيرات في النمو لكنها لم تؤد إلى ارتفاع الوفيات مقارنة بغيرها. هذا يجعل العلماء يؤكدون أن تقييم المخاطر ليس أمرًا بسيطًا.
الميكروبلاستيك والبشر
البيانات المتوفرة عن البشر ما تزال محدودة. دراسات صغيرة وجدت جزيئات بلاستيكية في المشيمة، البراز، الدم وحتى الرئتين. بعض التجارب المخبرية على الخلايا البشرية بيّنت أنها قد تسبب التهابات أو موت الخلايا. لكن لم تُجر بعد دراسات واسعة تكشف آثارها طويلة الأمد.
علماء الصحة العامة يشبّهون الوضع بمراحل ما قبل إثبات ضرر التدخين: دلائل أولية دون أدلة قاطعة. لذا، يدعون إلى الحذر ومزيد من الأبحاث قبل أن تتحول المسألة إلى أزمة صحية عالمية.






