في أحد حقول العلف بريف سين إيه مارن، توقّف المزارع جيروم أمام أوراق خضراء غريبة غزت أرضه. بجانبه، مدّت موظفة في جمعية مختصة بالتنوع الحيوي منشورًا تعريفيًا قائلة: “هذا هو دليل التعامل مع الأمبروزيا“. بدا الأمر كتحذير أكثر منه نصيحة، فالنبتة لم تكتفِ بالانتشار، بل حملت معها تهديدًا مزدوجًا: خطر على الصحة العامة، وضغط على المحاصيل الزراعية.
الأمبروزيا ليست فرنسية الأصل؛ إنها قادمة من أمريكا الشمالية، حيث جرى إدخالها عن طريق بذور البرسيم الأحمر المستوردة في القرن التاسع عشر. ما بدأ كنبتة مرافقة للأعلاف، تحول اليوم إلى كابوس يواجه المزارعين والسلطات الصحية.
موسم الحساسية من أغسطس إلى أكتوبر
تطلق هذه العشبة، بين يوليو وأكتوبر، كميات كبيرة من حبوب اللقاح التي توصف بأنها “شديدة الإزعاج”. ووفقًا لتقديرات الوكالة الوطنية للصحة العامة الفرنسية، يعاني ما بين مليون و3.5 مليون شخص سنويًا من أعراضها: عطاس متكرر، التهاب الأنف التحسسي، تهيج في العينين وحتى أزمات ربو. الفترة الأكثر حرجًا تقع ما بين منتصف أغسطس ونهاية سبتمبر، حين تبلغ كثافة الغبار الطلعي ذروتها.
أحد المصابين شبّه الأمر قائلًا: “إنها كأنك تعيش وسط غيمة من الغبار غير المرئي.” بالنسبة لمرضى الحساسية، مجرد نزهة قصيرة قرب حقل مصاب بالنبتة قد تتحول إلى معاناة يومية.
تهديد للزراعة الفرنسية
الأمبروزيا لا تكتفي بإزعاج الأنوف، بل تنافس المحاصيل أيضًا. فهي تنمو سريعًا وتحتل الحقول، مقلّصة إنتاجية التربة، ما ينعكس مباشرة على المزارعين. وتؤكد جمعيات بيئية أن خسائر اقتصادية غير قليلة تُسجّل سنويًا بسبب انتشارها في الأراضي الزراعية.
وتشير وزارة الصحة الفرنسية إلى أن ثلاثة أنواع من الأمبروزيا اليوم مصنفة رسميًا كنباتات “ضارة بالصحة العامة” ضمن القانون الصحي. هذه الخطوة التنظيمية تعكس حجم التهديد الذي تمثله النبتة، سواء من الناحية البيئية أو الطبية.
المواجهة عبر التوعية
لم يعد الحل يقتصر على اقتلاع الأعشاب يدويًا، بل باتت المواجهة شاملة، تبدأ من حملات التوعية في الأرياف وحتى إشراك البلديات في خطط وقائية. جمعيات كـ”فردون” تنظم لقاءات مع المزارعين وتوزع كتيبات توضح كيفية التعرف على النبتة وسبل الحد من انتشارها.
في النهاية، تبدو الأمبروزيا مثالًا واضحًا على كيف يمكن لنبتة دخيلة أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى مشكلة صحية وزراعية معقدة. ومثلما يصفها أحد الخبراء: “ليست مجرد عشب ضار… إنها خصم صامت يتطلب يقظة جماعية.”






