خطبة الجمعة غداً بعنوان «تأملات في سورة الأعلى»

sabq2-600x55313

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أمرنا بتدبر كتابه الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله والتفكر في كتابه عز وجل، قال تعالى:( الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين).

يا أهل القرآن: إن القرآن الكريم فيه الخير والرحمة، والهدى والبركة، ومن سوره العظيمة سورة الأعلى، ففضائلها كثيرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها في صلاة الجمعة، ويواظب عليها في صلاة العيد وفي صلاة الشفع. وحث صلى الله عليه وسلم من يؤم الناس في الصلاة أن يقرأ بها لغزارة معانيها، فقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين صلى العشاء فطول بالناس:« أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟». فكانت أول سورة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه.

فيا أيها المتأمل في سورة الأعلى: انظر كيف مجد الله عز وجل نفسه في بدايتها، وأمرنا بتسبيحه وتنزيهه؛ فقال سبحانه:( سبح اسم ربك الأعلى) ومعناه: عظم ربك الأعلى بتسبيحه. فللتسبيح ثواب عظيم، وأجر كبير، قال صلى الله عليه وسلم :« أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟». فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال:« يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة». وقال صلى الله عليه وسلم « من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر».

ولما نزل قوله تعالى:( سبح اسم ربك الأعلى) قال النبي صلى الله عليه وسلم :«اجعلوها في سجودكم». فأمر صلى الله عليه وسلم المصلي أن يسبح ربه عز وجل وهو ساجد بين يديه ويقول: سبحان ربي الأعلى، فيكون ذلك أبلغ في تمجيد الله تعالى وتعظيمه والتضرع إليه.

أيها المصلون: إن الله تعالى أبدع المخلوقات في أحسن الهيئات، وأجمل الصور وأتقنها. وذكر ذلك في سورة الأعلى فقال سبحانه:( الذي خلق فسوى* والذي قدر فهدى) أي: قدر أرزاق الخلق وأقواتهم، وهداهم لمعايشهم، وأداء وظائفهم.

وقد قدر الله سبحانه للأنعام رزقها، وأنبت لها المرعى، فقال تبارك اسمه في سورة الأعلى:( والذي أخرج المرعى) أي: أنبت سبحانه العشب وما ترعاه الأنعام من صنوف النباتات والزروع والأشجار، وفي ذلك كثير من دلائل حكمته وقدرته سبحانه، ونعمه على عباده، فيجب على الإنسان أن يقابل النعم بشكرها، والحفاظ على البيئة، فلا يؤذي مرعى الأنعام ببعض تصرفاته السلبية، وأكثر هذه السلوكيات ضررا، وأعظمها خطرا؛ إلقاء الأكياس البلاستيكية وغيرها مما يضر بالبيئة وتأكله الأنعام فتقتلها، وكذلك يجتنب تقطيع الأشجار لغير منفعة، ويبتعد عن الاحتطاب الجائر لها، فكل شجرة قد رعاها الله تعالى وسقاها سنوات عدة، قال سبحانه:( هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون).

والأشجار تحمي الأرض من تحتها وتظلها، وجعلها الله سبحانه مسكنا لبعض مخلوقاته، فقال عز وجل:( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون).

عباد الله: وفي سورة الأعلى بشر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم ببشارتين: الأولى هي قوله سبحانه:( سنقرئك فلا تنسى) أي أنه عز وجل سيعلمه هذا القرآن، ويحفظه عليه. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبادر إلى أخذ القرآن الكريم، ويسابق الملك في قراءته -حرصا على حفظه، وخشية نسيانه وتفلته- فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له سبحانه أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لقراءته على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فقال سبحانه:( لا تحرك به لسانك لتعجل به* إن علينا جمعه وقرآنه* فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إن علينا بيانه). وفي ذلك تيسير من الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى كل من أراد أن يحفظ القرآن الكريم، فعليه أن يجتهد في تلاوته وحفظه ومراجعته، ويتوجه إلى الله تعالى بالدعاء أن ييسره عليه ويثبته في قلبه.

والبشارة الأخرى في سورة الأعلى قوله عز وجل:( ونيسرك لليسرى). وهي الشريعة السمحة الخالية من الشدة والحرج، قال تعالى:( وما جعل عليكم في الدين من حرج). وقال سبحانه:( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). أي: سهل عليكم، ويسر ولم يعسر. قال صلى الله عليه وسلم :« إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا». فأبشروا برحمة الله الذي أحاط بكل شيء علما، يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرها وعلانيتها، فلا تخفى عليه خافية، قال سبحانه في سورة الأعلى:( إنه يعلم الجهر وما يخفى). فذكر عباده بعظيم قدرته وواسع علمه؛ ليخشوه وينتفعوا بمواعظ الذكر الحكيم، وفي آيات القرآن الكريم أعظم التذكير، قال تعالى:( فذكر إن نفعت الذكرى) سينتفع بتذكيرك من يخشى الله تعالى ويرجو ثوابه؛ قال عز وجل :(سيذكر من يخشى) أي من يتقي الله ويخافه، ومن خشية الله تعالى أن يبتعد الإنسان عن الذنوب، ويزكي نفسه بصالح الأعمال، ويتبع الإحسان في الأقوال والأفعال؛ ليكون من الفائزين المفلحين.

فاللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، ووفقنا لطاعتك أجمعين، وطاعة رسولك محمد الأمين صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم،

وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم،

فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل.

أيها المصلون: إن القلوب تطمئن بذكر الله وتعظيمه وتسبيحه، والنفوس تزكو بالحفاظ على الصلاة، وقد جمعهما الله عز وجل في قوله:( ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا). يعني: الصلاة والتسبيح. فتأملوا كيف ابتدأت سورة الأعلى بالأمر بتسبيح الله تعالى، وجمعت في أواخرها بين الذكر والصلاة؛ فقال سبحانه:( قد أفلح من تزكى* وذكر اسم ربه فصلى). وثمرتهما أن يتبع الإنسان سبيل الإحسان في الأقوال والأفعال من تسبيح وصلاة وذكر لله تعالى؛ ليكون من الفائزين المفلحين في الدنيا والآخرة، قال تعالى في سورة الأعلى:( والآخرة خير وأبقى) وتلك حقيقة خالدة لا تتغير ولا تتبدل، فالآخرة هي المستقر، وفيها النعيم المقيم، وما من نبي إلا أكد على هذا المعنى، وأوحي إليه به، قال تعالى:( إن هذا لفي الصحف الأولى* صحف إبراهيم وموسى).

فهل نتدبر كتاب الله عز وجل ونتأمل معاني آياته العظيمة ؟

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الأكرمين. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، اللهم اجعلنا من المتدبرين آياته، الذين يتلونه حق تلاوته، اللهم ارحمنا بالقرآن واجعله شفيعا لنا يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم ارحم شهداء الوطن الأوفياء، وارفع درجاتهم في عليين مع الأنبياء، واجز أمهاتهم وآباءهم وزوجاتهم وأهليهم جميعا جزاء الصابرين يا سميع الدعاء.

اللهم انصر قوات التحالف العربي، الذين تحالفوا على رد الحق إلى أصحابه، اللهم كن معهم وأيدهم، اللهم وفق أهل اليمن إلى كل خير، واجمعهم على كلمة الحق والشرعية، وارزقهم الرخاء يا أكرم الأكرمين.

اللهم انشر الاستقرار والسلام في بلدان المسلمين والعالم أجمعين. اللهم زد الإمارات بهجة وجمالا، واكتب لمن غرس فيها هذه الخيرات الأجر والحسنات يا أرحم الراحمين. اللهم وفق رئيس الدولة، الشيخ خليفة بن زايد لكل خير، واحفظه بحفظك وعنايتك، ووفق اللهم نائبه وولي عهده الأمين لما تحبه وترضاه، وأيد إخوانه حكام الإمارات. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحم الشيخ زايد، والشيخ مكتوم، وشيوخ الإمارات الذين انتقلوا إلى رحمتك، اللهم ارحمهم رحمة واسعة من عندك، وأفض عليهم من خيرك ورضوانك. وأدخل اللهم في عفوك وغفرانك ورحمتك آباءنا وأمهاتنا وجميع أرحامنا ومن له حق علينا. اللهم احفظ لدولة الإمارات استقرارها ورخاءها، وبارك في خيراتها، وأدم عليها الأمن والأمان يا رب العالمين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثا مغيثا هنيئا واسعا شاملا، اللهم اسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض.

اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.

وأقم الصلاة.

تابعنا على

تويتر : araa_news

سناب شات : uaenews

انستجرام : araanews

تليجرام : UAESABQ

التعليقات

--
%d مدونون معجبون بهذه: